الجنة تحت أقدام الأبناء

4 حزيران (يونيو) 2016 - حياة زوجية

 
 

يعرفون الحقيقة وكلهم يلتزمون الصمت، عندما تقدمت لخطبتها كان الترحاب مبالغ من قبل أهلها. ترحاب بفارس يحمل عبء مصيبة ومطهر لجدران بيت ضُرب بآفة العار حيث جعلت منهم أجمعين شواذ آفاق ينفرون منها ومن أنفسهم يشمئزون. هكذا كان موقفهم من ابنتهم كما موقف إخوتها. حتى أهل القرية يعرفون سرها إلا أنا. قالت لي أختي، لقد حان الوقت لتستقر وتكون لك عائلة. هناك فتاة جميلة رأيتها وسألت عنها جيرانها في الضيعة المجاورة لضيعتنا فأخبروني عنها خيرا. أعطتني رقم هاتفها ، خابرتها موضحا أنني أريد زوجة تقية تعرف دينها ...

قاطعتني قائلة: وأنا أبحث عن رجل يعرف الله ويخشاه.
تقدمت إلى طلب يدها من أهلها، وأقمنا العرس وسط همسات مكتظة بالغمز واللمز في تلك الليلة المنفلتة وأنا كالأصم وسط تلك الزفة الخالية من الفرح، احتفال بخديعة مُحتقنة في ذلك الفضاء، ونظرات شزرة بائسة تحوم حول المكان، وأهل العروس يرقصون في احتراف على كذب وعيونهم مكحلة بالخديعة وأنا ذلك العريس الفرحان بليلة عرسه الولهان، مرتميا في جمالها الذي يلهمني. أتمايل بين نغمات الموسيقى ... فجأة وقفت النساء تدق الدفوف وتتعالى الزغاريد ويغادر الجميع بعدما باركوا لنا عرسنا. حين اختليت بزوجتي كانت ملطّخة بالسكون، مطأطـة الرأس ... رفعته برفق فرأيت عينيها تحتويانه حزن العالم دموعها مستعصية عن الهطول، نظراتها مغلفة بالخوف والقلق، تائهة في الخواء ...ترتجف على جلستها الصامتة، تتلمّس في تَعثّر ظلام الخطايا بقلب منكسر. وبينما اقترب منها يطرق أحدهم الباب إنه أخوها يحضر علبة دواء.
إنه دواء أختي.
أخذت منه العلبة وأقفلت الباب. نَهضَت من مكانها ... أمسكَت العلبة، أخرجَت حبة وتناولتها ثم جلَست في صمت. سألتها ماهذا الدواء ... فقالت بصوت خافت دواء الأعصاب. لم تخبرني من قبل، امتعضت ولكنني في تلك اللحظة كنت مشغولا بها ... بليلتي ... أرقب صوت الحُلم المغموس برائحة الفرح في شرفات اللهفة لتعانق وجه قمري. أحسست نفسي كنسر يحلق عاليا في فضاءات السماء ... أطير .... أراقص هواجسي المغامرة على نسمة غير كل النسائم ... أحاصرها ... أسايرها بعيوني ... أهيم في بهاءها .... متيما بسحرها. فجأة وكأنني سقطتُ من ذلك الحالق أرضا فاستيقظتُ من كابوسي. أما هي فكانت تبكي في صمت ونظرات شزرة بائسة تحوم حول المكان. جسدا بلا روح، يابسة هشّة كأوراق الخريف المتساقطة ، ترمق سكون الأشياء بصمت مذعور. نهضتُ من السرير وجلستُ على الأريكة من غير أن أنبثَ بكلمة، أدخن سيجارة وراء أخرى بعصبية، توارت كلماتي خلف العديد من الاستفهامات والتعجب، تَحَوّل فرحي إلى مستنقع مُشزرفن أعيث فيه صدمتي المُصابة بأدران العيوب التي حلّت متوالية علي تلك الليلة الملوثة ، باستباحة الغرائز والشهوة التي أدكت نارها في درابين النقاء... هل أخرج منها أو تخرج مني؟ هوس الانتقام يضجّ بأفكاري، ما عدت أشعر بدفء الليل، اختلطت الأمور ببعضها البعض، ولم أعد أشعر بوصل ذلك الحنين، وحيد في غابتي المسكونة بالأشباح، المغطاة بالوحل، أما هي فكانت مُقرفصة وسط السرير تجهش في صمت ذلك الخواء ، لسانها المتوقف عن الحركة في ازدحام الخوف ، تتلعثم من وجعها المستباح ، تحبس أنفاسها أمام ذاكرتها المشحونة بجبال من حزن ووحدة طافحة وقلب كسير.
اسودّت الدنيا في عيني وسط ذلك الليل الأعشى ضائعا في ذهولي الذي يطفو على عتمة المكان. أمعقول ما حصل. كيف لهذه العائلة أن تخدعني بابنتهم اللعوب؟ كيف لي أن أربط نفسي بفتاة أطفأت النور الجميل، وركبت ضياعا أتى بالصدمة.
نهضتُ من السرير في تثاقل، لم أستطع النظر إليها ، أصبحت أشعر بالإشمئزاز ، أما هي فوقعت على الأرض، تنتفض كطير مذبوح ورغوة تخرج من فمها. أصابني الرعب من ذلك المشهد. لا أعرف ماذا أفعل. اتصلت بالإسعاف، أعطاها الطبيب حقنة مهدئة وأخبرني أنها تعاني من الصرع.
مرت أسابيع وأنا داخل صمتي، دوامة أدور في وسط شوارعي المقفرة، تصعقني ببردها وبليلها المظلم الغريب. لابد لي أن أكسر جدار الصمت وأحدّثها. كانت تروي لي قصتها وترتجف كطير صغير مبتور الجناحين. وهي في سن السابعة من عمرها كان أخوها يراودها في الليل لمدة أربعة أعوام متتالية. هدّدها بالقتل إن أخبرت أحدا. وحين تجرأت وصارحت أمها، انهالت عليها ضربا مهددة إياها ألا تتفوه بما قالته مرة أخرى. خوفا من الفضيحة بين الناس. وحين أخبرت أخوها الأكبر، صفعها بقوة على وجهها قائلا ماذا تظنين نفسك أيتها السافلة، وإياك ثم إياك أن تتفوهي بما قلته مرة أخرى. أتريدين لنا الفضيحة؟. ثم قالت لي لو لم يكن الانتحار حراما لقتلتُ نفسي. كنت أستمع إليها في ذهول، إنسان ضعيف لاحول لها ولا قوة. غدر بها الأهل حتى أقرب كائن إليها "والدتها".
جمعت حقيبتي أنا وزوجتي وتركنا تلك الضيعة ومن فيها إلى أقصى جنوب الوطن. بعد أربعة أعوام يرن الهاتف. إنها أختي تخبرني أن والدة زوجتي مريضة جدا وقد جمعت أبناءها وأوصتهم ألا يتعاملون مع أختهم الجالبة العار. وتضيف ، إن ماتت أن يغطواوجهها بخمار أسود ولا يدعون أختهم ترى وجهها.
أخبرت زوجتي بمرض أمها وبوصيتها لإخوتها.... لم تعر انتباها لما قلته. في تلك اللحظة كانت فقط تفكر في والدتها المريضة، تبكي دموعا حرّى على أمها ، تتألم لبعدها عنها ، تبكي حياتها العرجاء ومصائبها المفتعلة ، تعرف أنها لا تستطيع أن تُرمم خرائب العلاقة بينها وبين أمها التي تتماهى عبر حدود الجفا وعلى جدران الهمّ الآتي من رحم الحزن. تريد أن تلملم أشلاء ما تبقى وتترك غبار الماضي ومخلفات اعصار ذلك السخط القاتل.
كنت أرقب زوجتي في ذهول رغم كل ما هالها من أهلها ، دوامة أدور فيها، تصعقني بروحها النقية ، أتوق أن اكون لها الحبيب الذي يشدّ لها أزرا، حتى يختفي صمتها وصراخها وبكاءها ونحيبها. سأكون لها ذلك الفارس العتيد وحبها الوحيد. سأصطحبها للضيعة حيث أهلها وأطلب من والدتها أن تصفح عنها ما فعله أخوها ذلك السفاح وما جناه عليها. وأطلب من أخيها الأكبر الذي ضربها ظلما على أن يصفح عنها، وأطلب من أهل الضيعة أن يكفوا عن بقايا الهمسات المحمّلة بالحقد والشرور.
حين وصلنا للضيعة في طريقنا إلى بيت والدة زوجتي. كانت النساء ترقبنا بحذر من و راء النوافذ والأطفال في الشارع الذين كانوا يلعبون توقفوا ينظرون إلينا وسط همهمات وضحك. واصلنا طريقنا إلى المنزل، وجدنا الوالدة قد فارقت الحياة قبل أن نصل بساعة، وأبناءها ينحبون. نهض ذلك المجرم من بين كل إخوته وصرخ في وجه أخته:
لماذا أتيت أيتها الملعونة؟ ألا ترين أن والدتي لا تريد أن تراك! أنظري إلى وجهها المغطى حتى لا تراك في مماتها...!
لم تنظر إليه ، كانت ...تمشي ببطء شائخ، تمسك بكاءها كي لا تسفيق الكلمات. أما أخوها الأكبرُ فكان غارقا في بكاءه ونحيبه ورأسُه منكبا على صدر أمه. أقتربَت بتثاقل في حزنها المتململ، ونار تخترق أحرفها ، صُبّارا تتلوى من علقم قدرها، مكلومة تلوذ بأنين صاخب فوق جسد والدتها الهامد ، وخيوط التيه تقود حروفها المتلعثمة الحزينة خوفا ... خجلا ... لا أدري. أنا يا أمي السبب في كل ما جرى لك .... أنا سبب حزنِك ومرضُك ... يا ليتني لم أقل شيئا ... يا ليتني مت أنا ولا أنت ... تركتني غريبة في مماتك كما في حياتك ... رجاء ارضي واصفحي عني ... لا تدعيني لعذاباتي تنتابني القشعريرة أتمزق وحيدة ....ماذا أقول لسكون ليلي إن جفاني النوم في كهف ضياعي ...! يا أمي ارضي عني فإن روحي تبكي حزنا على فراقك التي تلفظ أنفاسها .... لم يبق منك سوى ذكراك وحزن بقدر الكون.

بقلم زكية خيرهم

Youtube Twitter Facebook