Recherche

الفرانكفونية والاستعمار الثقافي

2014/05/16 - 12:11 - فن و ثقافة

"الفرانكفونية" اسم مشتق من كلمة:" francophonie" ،و هي كلمة فرنسية تحمل بعدين مختلفين؛فالبعد الأول للكلمة يشير إلى كل ما له علاقة بنشر القيم الثقافية، و تحقيق الحوار الثقافي بين الشعوب و المجتمعات في الانفتاح على مختلف الحضارات.

أما البعد الثاني فيتجاوز مفهومه اللغوي إلى معنى أيديولوجي، يهدف إلى تكريس التبعية الثقافية و الهيمنة على الدول العربية و الإفريقية ثقافيا، و خصوصا الدول التي سبق لها أن خضعت للاستعمار الفرنسي و من بينها المغرب، و هذا ما يؤكد تحول الاستعمار من عسكري يعتمد على السلاح كوسيلة أساسية إلى استعمار ثقافي يقوم على نشر القيم العصرية، محاولا غزو الهوية الأصلية للبلدان المستعمرة ثقافيا ،و كذلك تكريس الثقافية و الأيديولوجية.
ارتبطت نشأة الفرانكفونية ببداية ظهور الحركات التحررية وحصول الدول المستعمرة على استقلالها خصوصا منها التي كانت خاضعة لنفوذ الفرنسي كسوريا، تونس، الجزائر،المغرب،...وبدأ يتبلور مفهوم الفرانكفونية أكثر فأكثر بعد الحرب الباردة التي كان طابعها أيديولوجيا محضا، حيث حصلت كل الدول على استقلالها.
المغرب نموذجا لهذه الدول التي خضعت ولا تزال تخضع للاستعمار الثقافي بعدما استقلت عسكريا عن القوات الفرنسية عام 1956م، فالتبعية الفرانكفونية تبدو واضحة وضوح الشمس بمظاهر متعددة ومختلفة؛ ففي المجال الثقافي نجد طغيان القيم الثقافية العصرية المادية محاولة إقصاء القيم الروحية النبيلة التي كان يعرف بها بلدنا على مر العصور باعتباره بلدا إسلاميا , إضافة إلى طمس الهوية المغربية مستعملة في ذلك أيادي أخفية-إن صح القول-لوبيات فرانكفونية.
أما تربويا فلا حدث ولا حرج, ألا يمكن القول بأن التعليم في المغرب منذ حصول هذا الأخير على الاستقلال –الغير التام- و هو تابع للنظام الفرنسي ،لما يوجد من تشابه شكلي بين المقررات التعليمية المغربية الفرنسية، فكلما تحسن جودة الأخير و بلغ رتب متقدمة عالميا إلا و زادت جودة تعليمنا سوءا، و لعل ابرز مشروع تربوي صدق عليه أخيرا في بلدنا هو "مسار" الذي يعد جزءا لا يتجزأ من الهيمنة الفرانكفونية؛ فبعدما تداولت مناقشة هذا المخطط التربوي داخل البرلمان الفرنسي منذ سنين و لم يفعل أبدا، لما في ذلك من احتمال لانعكاس السلبي على جودة التعليم الفرنسي بل بقي معلقا و لم يصادق عليه ،حتى يتم التخلي عليه كليا و رميه في مزبلة التاريخ ليتم مصادرته إلى المغرب.
أما وجود اللغة الفرنسية كلغة أجنبية أولى للمغرب يعد مظهرا أساسيا من مظاهر التبعية الفرانكفونية، زيادة على ذلك "مذكرة عيوش" -رئيس مؤسسة زاكورة للتربية بعدما كانت مؤسسة للقروض الصغرى- التي تداولتها مختلف الصحف و المجلات أواخر العام الماضي،حيث أعلنت المذكرة حرب شعواء على اللغة العربية الفصحى، تشتمل هذه المذكرة على توصيات كان قد وجهها نور الدين عيوش السالف الذكر إلى ملك البلاد و رئيس الحكومة آنذاك؛ يسعى من خلالها إلى اعتماد الدارجة المغربية بدل اللغة العربية الفصحى، و إزالة الطابع الديني عن التعليم الأولي، لأنه اعتبر التعليم في تصوره "تقليدي" في مجمله، و بعدما تداولت القضية داخل مختلف المؤسسات السياسية تلقت المذكرة معارضة شديدة من مفكرين مغاربة، و أساتذة جامعيين و صحفيين، و منهم من اعتبرها ورقة توظفها اللوبيات الفرانكفونية بدليل سيرة صاحب المذكرة ،و اختصاصاته المحدودة و المرتبطة بأجندات فرنسية.
و صفوة القول أن فرنسا قد تجاوزت مرحلة الاستعمار العسكري لتدخل مرحلة جديدة أكثر نجاعة، و هو الاستعمار الثقافي من اجل بسط سيطرتها على عقليات الأفراد داخل المجتمع المغربي فكريا و أيديولوجيا، لتكريس تبعية ثقافية تتماشى و غياب الوعي لدى المغاربة بالغزو المستمر لهويتهم و ثقافتهم.

بقلم مراد الهاني

إقرأ أيضا

Assdae.com

Assdae.com - 2018