Recherche

كيف قسّم البريطانيون العالم العربي

2015/03/01 - 20:36 - سياسة

إن عملية تشكّل البلدان القومية الحديثة عبر العالم العربي هي عملية مفجعة وذكية في نفس الوقت. فقبل مائة سنة كان كل العرب يخضعون لسيطرة الدولة العثمانية الخلافية والتي كانت دولة كبيرة متعدّدة الأعراق مقرها إسطنبول.

أما الآن فتبدو الخريطة السياسية للعالم العربي وكأنّها أحجية جد معقّدة. أدّت أحداث متشعبة و معقدة خلال العقد الأول من القرن الماضي إلى انهيار الدولة العثمانية و قيام هذه الدول الجديدة، فأقيمت حدود عبر الشرق الأوسط مفرقة المسلمين عن بعضهم. كانت هناك العديد من العوامل التي أدّت إلى هذا، لكن الدور الذي لعبته بريطانيا كان أكبر و أهم الأدوار الذي لُعب في المنطقة. فقد أدّت ثلاث اتفاقيات متضاربة الوعود بشأن دعم بريطانيا، فكانت النتيجة خلق حالة من الفوضى السياسية قسّمت جزءا كبيرا من العالم الإسلامي.

اندلاع الحرب العالمية الأولى

في صيف عام 1914نشبت الحرب في أوروبا بسبب تشكّل تكتلات تحالفية معقّدة تتسابق نحو التسلح بأطماع الاستعمارية ،و كذلك سوء إدارة أعلى مستويات الحكومات، مما أدّى إلى اندلاع حرب مدمّرة حصدت أرواح إثنى عشر مليون شخصا بين سنتي 1914 و 1918 .حيث تطاحن تحالف ”الحلفاء” المتشكّل من بريطانيا فرنسا و روسيا ،مع قوى ’’المحور’’ المتشكلة من ألمانيا،و النمسا المجر. في البداية قرّرت الإمبراطورية العثمانية الإبقاء على حيادها نظرا لأنها لم تكن بنفس قوّة الدول المشاركة في الحرب، كما أنها كانت مدمّرة بسبب التهديدات الداخلية و الخارجية.لم يكن السلطان العثماني أكثر من رئيس صوريّ في تلك المرحلة،وهو السلطان عبد الحميد الثاني آخر سلاطنة الدولة العثمانية الأقوياء، إلى أن تمّت الإطاحة به سنة 1908 ثم تعويضه بحكومة عسكريّة بقيادة ”ثلاث باشاوات” والذين كانوا منتمين إلى جماعة غربية علمانية تسمّى بـ”الأتراك الشباب”.كان الأتراك في ذلك الوقت في أزمة مالية خطيرة بسبب الديون الضخمة التي كانوا يدينوا بها للدول القويّة الأوروبية والتي لم يتمكّنوا من تسديدها.بعد رفض محاولة الأتراك الانضمام إلى دول الحلفاء،وقف العثمانيون إلى جانب قوّات دول المحور في أكتوبر 1914 . ليبدأ البريطانيون على الفور في التخطيط لحل الإمبراطورية العثمانية و توسيع إمبراطوريتهم في الشرق الأوسط.كانوا مسيطرين على مصر منذ 1888 و الهند منذ 1857. لتتمثلّ الإمبراطورية العثمانية على يمين هذه المستعمرتين المهمتين،فصمّم البريطانيون على إبادة هذه المناطق كجزء من الحرب العالميّة.

الثورة العربية

كانت من بين استراتيجيات التي تبنتها ابريطانيا هي تحريض رعايا الإمبراطورية العثمانية العرب ضدّ الحكومة. فوجدوا مساعدا على استعداد ورغبة كبيرة في الحجاز وهو الشريف حسين ابن علي أمير مكّة، والذي أبرم اتفاقا مع الحكومة البريطانية للثورة ضد العثمانيين.كانت الأسباب التي جعلته يعقد هذه الاتفاقية مع البريطانيين الأجانب ضد مسلمين آخرين غير مؤكّدة.أما الأسباب الممكنة التي دفعته إلى الثورة ضدّ العثمانيين فقد كانت:عدم اتفاق القوميات مع الأهداف العثمانية للبشوات الثلاثة، وخصومته الشخصية مع الحكومة العثمانية،أو ببساطة رغبته بإقامة مملكة خاصّة به. كيفما كانت أسبابه،قرّر الشريف التمرّد ضد الحكومة العثمانية إلى جانب الحلفاء،في مقابل ذلك قام البريطانيون بوعد الثوار بمدّهم بالأسلحة والأموال و مساعدتهم في قتال الجيش العثماني الذي كان أكثر تنظيما.كما وعد البريطانيون الأمير الحسين أنه ستمنح له مملكته مباشرة بعد نهاية الحرب و التي ستغطّي كل شبه الجزيرة العريبة بما فيها سوريا والعراق،مما استدعى مفاوضات بين الجانين عرفت بائتلافات ”ماك ماهون-حسين” حيث كان الشريف الحسين على اتصالات مستمرّ مع المندوب السامي البريطاني في مصر، الـ’’سير هينري ماك ماهون’’. في يونيو 1916 قاد الشريف الحسين جماعته من المحاربيين البدويين من الحجاز في حملة مسلّحة ضد العثمانيين،في غضون بضعة أشهر تمكّن المتمرّدون العرب من السيطرة على بعض المدن في الحجاز بما فيها جدّة و مكّة بمساعدة الجيش و البحرية البريطانيين. قدّم البريطانيون دعما تمثّل في جنود و أسلحة و أموال و مستشارين بمن فيهم لورنس العرب الأسطوري.قامت بريطانيا في مصر بتصميم علم للعرب ليستعملونه في المعارك و الذي عرف بـ”علم الثورة العربية” والذي أصبح بعد ذلك نموذجا لأعلام دول عربية أخرى كالأردن،فلسطين،سوريا ،السودان ثم الكويت. وبتقدّم الحرب العالمية الأولى سنتي 1917 و 1918 استولى المتمرّدون العرب على العديد من مدن العثمانيين الرئيسية بموازاة مع تقدّم البريطانيين نحو فلسطين و العراق مسيطرين على مدن مهمة مثل القدس و بغداد،كما ساعدهم العرب بالاستيلاء على عمان ودمشق. من المهم أن نتذكّر بأن الثوار العرب لم يحظواْ بتأييد الأغلبية الكبيرة من السكان العرب.فلم تكن بينهم إلاّ حركات أقليّة بقيادة عدد قليل من الزعماء الذي سعوا لمضاعفة سلطتهم. لتبقى أغلبية الشعوب العربية بعيدة عن الصراع فلم تدعم المتمرّدين و لا العثمانيين.كانت خطط الحسين في تأسيس مملكة عربية خاصّة به بعيدة عن التحقيق مثلها مثل الوعود التي تقدّمت بها بريطانيا سابقا.

’’معاهدة سايكس بيكو’’

كانت لفرنسا وبريطانيا مخطّطات قبل اندلاع الثورة العربية وحتى قبل من أن يتمكن الشريف الحسين من تأسيس مملكته العربية.في شتاء 1915-1916 التقى الدبلوماسيان ،البريطاني الـ’’سير ماك سايكس’’ والفرنسي ’’فرنسوا جورج بيكو’’،سراًّ للبت في مصير العالم العربي في مرحلة ما بعد العثمانيين. وفقا لما أصبح يعرف باتفاقية (سايكس-بيكو) وافقت بريطانيا و فرنسا على تقسيم العالم العربي فيما بينها.فاستولت بريطانيا على ما يعرف حاليا بالعراق و الكويت و الأردن،فيما أعطيت كلّ من سوريا الحديثة و لبنان و جنوب تركيا إلى الفرنسيين.بينما لم تحدّد وضعية فلسطين حتّى وقت لاحق أخذا للأطماع الصهيونية بعين الاعتبار، سمح لبعض المناطق العربية الخاضعة لبريطانيا و فرنسا بإقامة حكم ذاتي،رغم خضوع هذه الممالك العربية إلى السيطرة الأوروبية،فيما عهد لبريطانيا و فرنسا السيطرة الكاملة على المنطقة. على الرغم من أنّه كان من الفروض أن تكون اتفاقية ما بعد الحرب العالمية الأولى سرّية إلاّ أنها أصبحت معروفة سنة 1917 عندما كشفتها الحكومة البلشفية الرّوسية.

تناقضت اتفاقية سايكس-بيكو مع الوعود التي قدّمتها بريطانيا للشريف الحسين الشيء الذي سبّب توتّرا كبيرا بين البريطانيين و العرب. و مع ذلك لم تكن هذه الاتفاقية هي آخر الاتفاقيات المتضاربة التي قامت بها بريطانيا.

وعد بيلفور

أريد لجماعة أخرى أن يكون لها رأي في مشهد الشرق الأوسط السياسي وهم الصهاينة.الصهيونية هي حركة سياسية تدعو إلى إقامة دولة يهودية في الأرض المقدّسة بفلسطين، تأسّست الحركة سنة 1800 باعتبارها حركة تسعى بجهد إلى إيجاد وطن لليهود بعيدا عن أوروبا والذين كانت أغلبيتهم يعيشون في ألمانيا، بولاندا وروسيا. في نهاية الأمر قرّر الصهاينة الضّغط على الحكومة البريطانية إبّان الحرب العالمية الأولى قصد السماح لهم بالاستيطان في فلسطين بعد نهاية الحرب.كان هناك العديد من المتعاطفين مع هذه الحركة السياسية في الحكومة البريطانية من أبرزهم ’’آرثر بلفور’’ وزير الخارجية البريطاني.فقام بإرسال رسالة في الثاني من نونبر 1917 إلى ’’البارون روتشيلد’’ أحد القياديين الصهاينة.فأعلن من خلالها وزير الخارجية البريطاني دعم الحكومة البريطانية الرسمية لأهداف الحركة الصهيونية لإقامة دوله يهوديّة في فلسطين. جاء فيها : ’’ إن حكومة جلالته ترى بعين العطف أن تساند تأسيس دولة في فلسطين كوطن قوميّ للشعب اليهودي و ستسخّر أفضل مساعيها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أساس يفهم جليّا من خلاله أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص الحقوق المدنية و الدينية اتجاه المجتمعات غير اليهودية في فلسطين والحقوق السياسية التي يتمتّع بها اليهود في أي بلد آخر’’.

الاتفاقيات المتضاربة الثلاث

بحلول سنة 1917 كان البريطانيون قد أبرمو ثلاث اتفاقيات مختلفة مع ثلاث مجموعات مختلفة، ووعدوا بثلاث مستقبلات سياسية للعالم العربي.أصر العرب على ضرورة إقامة المملكة العربية الموعودة للشريف الحسين.بينما كان الفرنسيون و البريطانيون يسعون إلى تقسيم نفس الأرض فيما بينهم، فيما كان الصهاينة يتوقّعون أن تقدّم لهم فلسطين التي وعدوا بها من طرف بلفور. في 1918 انتهت الحرب بانتصار الحلفاء والانهيار الكامل للإمبراطورية العثمانية.على الرغم من أن العثمانيين بقوا موجودين اسميا إلى حدود سنة 1922 فأصبحت بذلك جميع الأراضي العثمانية السابقة تحت سيطرة الاحتلال الأوروبي.انتهت الحرب لكن مستقبل الشرق الأوسط ظل في خلاف بين ثلاث جهات مختلفة. فمن الجانب الذي فاز؟ لم يحصل تماما أي جانب على ما أراده.في أعقاب الحرب العالمية الأولى تمّ تأسيس عصبة الأمم (سابقة الأمم المتحدة) والتي كانت من بين مهماتها تقسيم أراضي الدولة العثمانية المنهزمة، وإقامة مندوبيات في العالم العربي.كان من المفروض لكل مندوبية أن تدار من قبل البريطانيين أو الفرنسيين إلى حين أن تتكمن من الوقوف لوحدها،فكانت العصبة هي التي رسمت الحدود التي نراها على الخريطة السياسية الحديثة للشرق الأوسط.تم رسم هذه الحدود بدون اعتبار لرغبات الناس التي تعيش هناك أو على أي أساس حدوديّ عرقي أو جغرافي أو ديني فكانت بذلك حدودا تعسفيّة.من المهم أن نلاحظ أنه و حتّى اليوم أن الحدود السياسية في العالم العربي لا تشير إلى جماعات مختلفة من الشعوب.فالاختلافات بين العراقيين و السوريين و الأردنيين، الخ.، قد أنشأت من طرف المحتلين الأوروبيين كوسيلة لتقسيم العرب ضدّ بعضهم بعضا. من خلال نظام الانتداب،كان البريطانيون و الفرنسيون قادرين على السيطرة كما أرادوا على الشرق الأوسط.بينما سمح لأبناء الشريف الحسين أن يحكموا داخل هذه المناطق الانتدابية تحت الحمايتين البريطانية والفرنسية.تم تنصيب الأمير فيصل ملكا على العراق و سوريا و الأمير عبد الله ملكا على الأردن. ومع ذلك فعمليّا كانت السلطة الحقيقية لهذه المناطق في يد فرنسا و بريطانيا. أما بالنسبة للصهاينة فقد سمحت لهم الحكومة البريطانية بالاستيطان في فلسطين رغم القيود.لم يشأ البريطانيون إغضاب العرب الذين كانوا في فلسطين،فحاولوا تحديد عدد اليهود المسموح لهم بالهجرة إلى فلسطين،مما أغضب الصهاينة الذين وجدوا سبل غير شرعية للهجرة بين سنوات 1920-1940،كما رأى العرب أن الهجرة هي تعدّ على الأراضي التي تعود إليهم منذ تحريرها من طرف صلاح الدين سنة 1187. لا تزال الفوضى التي خلّفتها بريطانيا في المنطقة أعقاب الحرب العالمية الأولى قائمة حتّى هذا اليوم .أدّت الاتفاقيات المتنافسة و الدول التي تم إنشاؤها لتفكيك المسلمين عن بعضهم بعضا إلى خلق عدم استقرار سياسي في جميع أنحاء الشرق الأوسط .فأدّى صعود الصهيونية المصاحب لتفرقة المسلمين بالمنطقة إلى فساد الحكومات و التراجع الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط. لا تزال الانقسامات التي وضعتها بريطانيا في العالم الإسلامي قويّة إلى حدود اليوم ،على الرغم من أنها خلقت كلياّ في غضون المائة سنة الماضية.

إقرأ أيضا

Assdae.com

Assdae.com - 2018