Recherche

منصب الرئاسة في الجزائر: ’’الرجل العجوز لاينوي التنحي ويحاول الجري مرّة أخرى’’

2015/03/17 - 0:08 - سياسة

ليس من الغريب على بلد قام بتقديم مليون شخص في كفاحه من أجل الإستقلال ضد الإستعمار الفرنسي بين سنتي 1954 و 1962، بالإضافة إلى حوالي 200.000 آخرين في الحرب الأهلية التي فتكت بالبلاد في التسعينيات، أن يسخر بحزن وأسى على ما تؤول إليه الأوضاع في الجزائر. وليس من الغريب أيضا أن تدفع الحملة الإنتخابية الرئاسية الآخيرة والنتائج التي وصلت إليها، الشعب الجزائري إلى الضحك والسخرية بمرارة.

لقد كان فوز الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أمرا شبه مؤكد، وهو الرئيس الذي ظلّ على رأس سلطة البلاد خلال الـ15 سنة الماضية فيما يبلغ الآن ربيعه الـ77. وبصرف النظر عن ظهوره الوجيز مؤخرا خلال لقطات تلفزيونية وجيزة للتجماعات الحكومية الرسمية، حيث لم يسمعه أحد منذ حوالي سنتين، بل حتّى أنه لم يحضر الإجتماع الحاشد الختامي لحملته الإنتخابية بالجزائر العاصمة، حيث تلقّى أنصاره خطابا بالنيابة عنه والذي تم تسجيله سنة 1999.
علّق أحد الجزائرين بارتباك على الفايسبوك : ’’ إنّ التكنولوجيا هي جد متقدّمة في بلادنا، لدرجة أن رئيس بلادنا هو رجل افتراضي’’، لاينبغي رفض مثل هذه التعليقات بشكل سطحي، فالعديد من الجزائريين ينظرون إلى بوتفليقة بتذمّر وولع. فرغم كلّ شيء، فقد دخل الرجل إلى السياسية الجزائرية منذ أن عمل كوزير للخارجية خلال الستينيات، كما أنه ساهم في إيقاف حمّام الدماء المريع الذي عرفته البلاد خلال التسعينيات، ولكن الجزائرين مايزالون يشعرون بالقلق و الإرتياب من لعبة الظل التي تمارس داخل السياسة الجزائرية.
خلال هذه الحملة الإنتخابية الرئاسية الأخيرة؛ على سبيل المثال؛ كان هناك غطاء خارجي مغلوط لممارسات ديموقراطية، وذلك عن طريق إدراج أسماء ست مرشحين مختلفين يتنافسون على نيل صدارة اللوائح الإنتخابية، ولكن الدولة الجزائرية الغنية بالنفط أبقت على إرثها المتمثل في حكم الحزب الواحد، حيث تم فحص ولاء عدد كبير من المسؤولين الحكوميين بعناية كبيرة، من طرف عناصر الشرطة السرية التي تنتشر في كل مكان، حيث يتم تغطية النتائج بكثافة وسرعة كبيرتين، ليدهن المرشحون بـ(Le Pouvoir) وهو الإسم الذي الذي يطلقه الجزائريون على مجموعة الجنرالات وقادة الأجهزة الأمنية الذين يديرون البلاد. فلا عجب إذن من أن يفوز بوتفليقة في الإنتخابات الماضية لعامين 2004 و2009 بنسبة 85 ٪ و 90٪ ، وهذه السنة بنسبة 82٪ وسط إقبال هزيل ونفحة قويّة من الإحتيال والتزوير.
إن السؤال الذي يظل يجول في ذهن العديد من الجزائريين هو : ماهو السبب الخفي الذي يدفع بأسياد الجزائر لدعم بوتفليقة على الرغم من أنه تعرض لجلطة دماغية سيئة العام الماضي، كما أنه يبدو وكأنه لن يكون قادرا على إكمال فترة ولاية رئاسية أخرى التي تبلغ مدّتها خمس سنوات ؟ لقد تم التلميح بصمت على الجواب على نطاق واسع، والذي مفاده أن الإنقسامات داخل ’’Le Pouvoir’’ جعلت من مسألة الإتفاق على تعيين بديل لبوتفليقة أمرا صعبا: شخص يمكنه أن يقدّم واجهة للشرعية الديموقراطية وحكامة جيّدة، بينما يترك إدارة البلاد ليسيّرها الإقطاعيون بشكل صامت وخفي.
خلال الأشهر القليلة الماضية ظهرت هذه الإنقسامات للعامة بشكل غير اعتيادي، حيث تم إقامة تعديل في المراكز العسكرية العام الماضي، أُلحق في يناير بوابل من الإنتقادات من طرف بوتفليقة وجهها إلى الرجل الذي ينظر إليه كرجع صانع للنفوذ، وهو الجنرال محمد توفيق مدين، رئيس جهاز الإستخبارات العسكرية، ممّا أدّى إلى خلق توتّرات كبيرة وسط الكتلة الحاكمة. ثم بعد ذلك تردّدت الشائعات وفتحت الصحافة انتقادات حول محاولة الرئيس المريض للترشح لولاية رابعة، بالإضافة إلى الفساد المتفشي بشكل كبير، والذي يصادق عليه الجنرال مدين. ولكنه الآن تم تجاوز هذه الإنقسامات بشكل كلّي وعلى مدى واسع.
وعلى الرغم من المزايا التي يتمتع بها عبد العزيز بوتفليقة، فالجزائر لا تتوفر إلاّ على هامش ضئيل من الحرية، فقط بما يكفي لخلق تدافع سياسي. حذّر على ابن فليس؛ منافس بوتفليقة الرئاسي؛ وهو رئيس وزراء سابق، بصوت عال من إمكانية تزوير نتائج الإنتخابات، وذلك ضمن إحدى خطابته ضمن الحملة الرئاسية حيث صرّح ’’ سيكون هناك زلزال عنيف سيرج أسس أولئك الذين يؤيدون تنصيب رئيس لمدى الحياة’’ وهو الأمر الذي دفع ببوتفليقة إلى الرد بشكل ناريّ، حيث اتهم غريمه بممارسة ’’الإرهاب عبر التلفزيون’’
حثّت معظم الأحزاب الجزائرية المعارضة، سواء الصغيرة منها أو الكبيرة، الإسلامية منها والعلمانية، الجزائريين على ضرورة مقاطعة الإنتخابات، وهي أحزاب لا تحضى بوزن ثقيل في الساحة السياسية الجزائرية على كل حال. ربما يعتبر ظهور جماعة ضغط جديدة مستقلة هو أكبر التحديات، والتي نددت ليس فقط بهذه الإنتخابات الرئاسية الأخيرة ولكن ’’بالمهزلة السياسة الجزائرية بأسرها’’
تم إطلاق حركة ’’بركات’’ التي تعني ’’يكفي’’ باللهجة الجزائرية، الشهر الماضي، على غرار الحركات المدنية السلمية التي ساهمت بشكل كبير في الإطاحة بالرئيس المصري السابق حسني مبارك. فمع توفّر الإنترنت والتجمعات المدنية جلبت الحركة حتّى الآن بضع آلاف من الشباب، ولكن قادتها يقولون أنهم يخطّوط على مدى بعيد. فيما هلعت (Le Pouvoir)، حيث سارعت إلى معاقبة الجريدة التي استضافت مؤتمرا صحفياّ لحركة ’’بركات’’ وذلك عن طريق سحب جميع الإعلانات الحكومية، والتي تعتبر مصدرا حيوياّ للدخل، في بلاد غنية نفطياّ وذات سياسة اشتراكية، إلاّ أنها تعاني من نقص مفرط في الأعمال الخاصة.
ليست الجزائر ببلد سعيد، فهي تعرف أعمال شغب دورية واشتباكات إثنية بين العرب و البربر، بالإضافة إلى خطر الإرهاب الجهادي الذي يحدق بها إلى جانب العلل المتقيحة التي تنخر البنية الإجماعية للبلاد. ومع ذلك ففي الوقت الراهن، لاتزال ذكريات الأوقات السيئة تخجل الجزائريين بشكل كبير، وهو الأمر الذي يشكل أكبر التحديات بالنسبة للسلطات، وقد صرّح الرئيس بوتفليقة في حملته الرئاسية المنفردة، ضمن رسالة إلى شعبه نشرتها وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية بقوله : ’’ لايبدو لي أن وضعيتي الصحية الراهنة ستصغرني في أعينكم’’

Assdae.com

Assdae.com - 2018