Recherche

سياجات سبتة الحاجز القاتل لبلوغ الفردوس الأوروبي

2015/05/07 - 20:00 - مغاربة العالم

على طول الساحل الصخري لأقصى شمال أفريقيا الغربية، يتواجد سياج هائل وطويل يمتد عبر طول البحر الأبيض المتوسّط.

إنها إحدى النقطتين الحدوديتين التي تفصل القارّة الأوروبية بإفريقيا، عبر منفذ برّي شديد الحراسة بكلتا الواجهتين. إنّهما مستعمرتي سبتة ومليلة الإسبانيتين الواقعتين على جانب التراب الأفريقي، وهما المدينتان اللتان تشّكلان الحدود البرية الوحيدة للإتحاد الأوروبي مع أفريقيا والتموقعتان على الجانب الآخر من ضفّة مضيق جبل طارق، حيث تمّ عزل المدينتين عن أفريقيا عبر إقامة سياجات شائكة مترامية وهائلة.

إن عَمد أيّ شخص على تسلّق هذه السياجات فسيجد نفسه داخل أراضي الإتحاد الأوروبي، وهو مايحاول عشرات الآلاف من المهاجرين الأفارقة والعرب القيام به خلال كلّ سنة. لقد سبق وأن قطع معظمهم مئات الكيلومترات قادمين من الدول الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى، ومن مناطق الصراع أيضا كسوريا أو الصومال، ضمن رحلات تشبه تلك التي يقوم بها العديد من مهاجري دول أمريكا اللاتينية قادمين باتجاه الشمال سيرا على الأقدام نحو الولايات المتحدة.

يَعبُر كلّ يوم آلاف من الناس بشكل قانوني، الحدود بين سبتة والمغرب، فيما يُعتقد أن هناك العديد منهم ممن يعبرون هذه النقطة الحدودية بصفة غير شرعية كل يوم، عن طريق تهريبهم بداخل الجزء الخلفي للشاحنات أو عبر اختبائهم بإحكام تحت السيارات أو الحافلات.أمّا آخرون فقد فضّلوا التّخطيط لتسلق السياج المزدوج الهائل، والمحروس بشدّة من طرف دوريّات الحرس الحدودي الإسباني. كما أن هناك من يفضّلون العبور نحو الضفة الأخرى عن طريق السباحة عبر المتوسّط.

يقول ’’محمد با’’ وهو شاب من غينيا يبلغ 21 عاما: ’’لقد أمضيت تسع ساعات داخل الماء’’ ويضيف ’’ لم أجلب معي ملابسي وحذائي وقد عانيت الأمرّين’’

لقد سبح محمد بالقرب من معبر ’’تاراجال’’ بين المغرب وإسبانيا، لأنه أنفق جميع مذّخراته المالية خلال رحلته باتجاه الشمال نحو المغرب، وقد صرّح أنه كان يخطّط للدفع إلى المهرّبين حتّى يخفونه بالجزء الخلفي لأحد الشاحنات قصد تهريبه إلى داخل إسبانيا، ولكنه تعرّض للسرقة.

’’لقد كنت أملك 200 يورو في جيبي، إلاّ أنهم أخذوها منّي بالقوّة ثم انهالو عليّ بالضرب المبرح، هل ترون ذلك؟ يقول محمد وهو يشير إلى ندبة جرح كبير على مستوى ذراعه ’’ لقد توسّلت إليهم ورجوتهم إلاّ أنهم لم يتركوني وشأني’’

لقد قرّر محمد الوصول إلى الضفّة الأوروبية مهما كلّف الثمن، حيث رفض العودة إلى الوراء بشكل قطعي. لذا فقد انتظر إلى حين خيّم الظلام على أرجاء المنطقة حيث قفز إلى داخل الماء وبدء في السباحة، حول السياجات الحدودية المترابطة والمعززّة بالأسلاك الشائكة، بينما توجّب عليه في بعض الأحيان أن يحبس أنفاسه ويغطس إلى داخل الماء حتّى لايراه أفراد الحرس الحدودي الإسباني.

ثمّ وبعد مضيّ تسع ساعات بداخل المياه، وصل محمد وهو يرتعش إلى الشاطئ الإسباني خلال اليوم الموالي حيث قال ’’ لقد كان الجو باردا للغاية، ولم يكن معي أيّ شي إضافي لألبسه’’

وعند وصول محمد إلى سبتة قدّم له فريق طبيّ تابع لمنظمة الصليب الأحمر الإسعافات الضرورية لإيقاف انخفاض حرارة جسمه. يعدّ محمّد محظوظا للغاية، لأن الأمر حدث معه خلال سبتمبر/أيلول عندما كانت حرارة مياه البحر الأبيض المتوسط في أقصى درجات انخفاضها.

خلال فبراير/شباط من سنة 2014، لقي ما لايقل عن 15 أفريقيا حتفهم وهو يحاولون السباحة حول نفس السياج، عندما أطلق أفراد من الحرس الحدودي الإسباني الرّصاص المطّاطيّ عليهم وهم ويسبحون وسط البحر، وقد تم اتّهام 16 فردا من القوّات الإسبانية عقب هذا الحادث المفجع.

يقول ’’خوان أنطونيو ديلغادو’’، المتحدث باسم الحرس المدني الإسباني بالمنطقة: ’’ لقد كان ذلك خطأ فادحا، ولكننا نعمل تحت ضغط كبير للغاية’’ ويضيف ’’ لقد كنّا في مواجهة حتمية مع 500 مهاجرا إفريقياّ يائسا، وقد كان عددنا آنذاك لايتجاوز 50 حارسا أمنياّ، لقد كان حدثا دراماتكياّ للغاية، إنهم مصمّمون على العبور مهما كان الثمن’’

وهو نفس الأمر الذي يحاول القيام به الآلاف من المهاجرين حتّى يتمكّنوا من دخول مستعمرة سبتة، وهي المدينة الصغيرة التي تضم حوالي85.000 نسمة، حيث يبلغ معدّل البطالة نسبة 30 بالمائة، بدون احتساب المهاجرين الذين هم عاطلون على العمل تماما. وفي خضمّ كلّ هذا، تطالب الحكومة الإسبانية المزيد من المساعدات من الإتحاد الأوروبي من أجل تأمين حدودها وصدّ المهاجرين من الدخول إليها.

إن المغاربة الذين يدخلون إلى داخل مستعمرة سبتة بشكل غير شرعي يتم ترحيلهم تلقائياّ، وذلك راجع إلى وجود معاهدة ثنائية في هذا الخصوص بين الحكومتي الإسبانية والمغربية. لكن العديد من البلدان الأفريقية جنوب الصحراء لاتتوفر على معاهدة مماثلة مع إسبانيا، وهو الأمر الذي يدفع بالكثير من المهاجرين إلى عدم الإفصاح عن هويّاتهم الحقيقية، وبهذه الطريقة لاتستطيع السّلطات الإسبانية ترحيلهم عودة من حيث أتواْ.

يقول محمد با ’’ بمجرّد أن يطأ المهاجرون التراب الإسباني فإنهم يحصلون على خياران اثنان، يإمّا المطالبة بحق اللجوء السياسي أو قبوله ليصير ’’مهاجر اقتصادي’’.

ويضيف محمد وهو يشرح أسباب رحيله عن بلده غينيا ’’إنني في حاجة إلى العمل لأنّ عائلتي لا تملك أي شيء، ووالدي متوفّى’’ وقد بين محمد أن حلمه هو أن يحصل على عمل في يوم ما بمدينة بارشلونة، ممّا قد يمكّنه من إرسال المال إلى أسرته، حيث قال : ’’ليس لديّ سوى والدتي وشقيقتاي الصغيرتين، وأنا أريد أن أجلب لهم الطعام وأن أساعدهم...فهم جميعهم في غينيا’’

يعتبر ’’جرمينال كاستيلو’’ واحدا من الإسبانيين الأوائل الذين يلتقون بهؤلاء المهاجرين الجدد بحكم مهنته كعامل ضمن فريق لمنظمة الصليب الأحمر، والذي تمّ إرساله للعمل بشواطئ ومراسي مستعمرة سبتة، حيث يصل العشرات من المهاجرين من حين لآخر.

ويقول كاستيلو، الذي يقوم بمعالجة المهاجرين الوافدين بمعدّل 20 مهاجرا أسبوعياّ في فصل الشتاء – وأحيانا بمعدّل 10 خلال فصل الصيف: ’’ إنهم يكونون في معظم الأحيان في حالات صحيّة مخيفة ومروّعة، بسبب انخفاض حرارة أجسامهم’’ ويضيف ’’ إن المشكلة الحقيقة تكمن في أنهم يصلون بدون أية وثيقة، ويقبّلون الأرض، ولكنه في غالب الأحيان يتوجّب عليهم الإنتظار لشهور قبل إمدادهم بتأشيرات دخول التراب الإسباني وإصدار تصاريح عمل خاصة بهم’’

’’إنهم يبحثون عن حياة أفضل’’ كما يقول كاستيلو ’’ إنهم يبحثون عن شيء نحن نمتلكه في الأصل’’

فبينما ينتظرون إصدار أوراقهم، يتم إيواء المهاجرين الغير شرعيين ضمن مراكز الهجرة واللجوء المحلية والواسعة، وهي حصون تشبه السجون، تتموقع على أعالي تلال سبتة ومليلية وبداخل الأراضي الإسبانية في الجهة المقابلة من المضيق.

تمتلئ العديد من مراكز الإيواء هذه بالكثير من المهاجرين بما يفوق قدرتها الإستعابية، وقد اشتكت العديد من المنظمات الحقوقية على الإنتهاكات الجسيمة الذي يتعرّض لها المهاجرون هناك، حيث يتم إجبارهم على الإلتزام بقانون حظر التجوال المفروض عليهم والتحكم في أوقات تناول وجباتهم الغذائية، غير أنه يستطيعون التحرّك بحريّة عبر جنبات مراكز الإيواء التي تحيط بها قضبان حديدية وأسلاك شائكة من كل الجوانب.

التقينا بمحمد با بداخل إحدى هذه المرافق، حيث كان يندفع مجموعة من الرجال الذين ينحدرون من دول أفريقيا الغربية إلى الخارج وهو يدخّنون ويشربون الجعة، بينما كان محمد ينتظر تسوية أوراقه التي يحتاجها إلى السفر إلى أيّ مكان يريد داخل التراب الأوروبي.

ثم وبعد 6 أشهر من الإنتظار ، تم إصدار الأوراق الثبوتية الخاصة بمحمد.

’’لقد كنت نائما وأيقظني رجال الهجرة ليخبروني ’اليوم ستحصل على جواز مرورك’ وغدا يمكنك السفر إلى شبه الجزيرة الإيبيرية’’ كما قال وهو يرفع قنينة جعة للإحتفال بليلته الأخيرة بمستعمرة سبتة، حيث صرّح أنه بسبب ذلك فهو ’’مغتبط وسعيد ويضحك ويأكل وينام جيّدا’’

ثمّ وفي اليوم الموالي اختفى محمد بين الحشود الصاعدة على متن عبّارة مختصّة في نقل المسافرين إلى الضفّة الأخرى من مضيق جبل طارق نحو أوروبا، مطاردا الحلم الذي يراوده بالعمل ببرشلونة شمالي إسبانيا.

نبيل حانة-عن صحيفة ’’إن بي آر’’ الأمريكية بتاريخ 16 أبريل 2015
المصدر : http://www.npr.org/blogs/parallels/2015/04/16/393577925/the-fences-where-spain-and-africa-meet

إقرأ أيضا

Assdae.com

Assdae.com - 2018