Recherche

ملاحظات تؤطر خيارات الحكومة المغربية عقب اكتشاف الغاز

2015/05/13 - 20:00 - إقتصاد

حدد المغرب نهاية يونيو كموعد للشروع في الاستغلال التجاري للغاز المستخرج من حقل سبو، وأوضحت المعلومات المنقولة عن المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن أن التدفق التجريبي بلغ 140 ألف متر مكعب في اليوم وأن حصة المغرب هي 25% بينما 75% المتبقية ستكون من نصيب الشركة صاحبة الامتياز CircleOil Plc ، وقد تعاملت مختلف الأوساط مع هذا الإعلان من منطلق أنه جاد وربما جاء متأخرا عن موعده لأن تجربة الإعلان الخاطئ عن اكتشاف البترول في تالسينت بالمنطقة الشرقية فرضت اتخاد تدابير احتياطية جد متشددة.

من الواضح أن الكميات المعلن عن اكتشافها ضعيفة جدا إذا ما قورنت مع الكميات المعروضة في السوق الدولية للمحروقات، غير أن ضعفها لا يقلل من أهميتها على المستوى الوطني، ليس فقط لأنها تحفز باقي الشركات العالمية على المزيد من الاستثمار في التنقيب عن البترول والغاز بالمغرب، ولكن كذلك لأنها تساهم ولو بقسط ضئيلفي الحد من الاعتماد الشبه الكلي على الاستيراد لتغطية الحاجيات الطاقية المتزايدة، ولأنها تساهم أيضا في تقليص فاتورة الطاقة وفي التخفيف من العجز التجاري.
لا يمكن للمتتبع المغربي إلا أن يترقب انعكاسات الاكتشاف الجديد على الوضع الاقتصادي والاجتماعي الداخلي، وإذا كان من السابق لأوانه الدخول في التفاصيل إلا أن المعطيات الدولية والوطنية العامة تسمح بالإدلاء ببعض الملاحظات التي يمكن تلخيص أهمها في:
1 – إن الاكتشاف المتأخر لحقول الغاز بكميات محدودة يؤمن للمغرب تحقيق فائض قيمة مرتفع، لأن المغرب الذي عانى كثيرا من كونه دولة غير منتجة للنفط، اضطر إلى مواجهة هذه المعاناة بتنويع مصادر ثروته وبالتوجه نحو تطوير نسيجه الاقتصادي، وكان من نتائج هذا الخيار الاستراتيجي أن حقق الاقتصاد الوطني باستمرار معدلات نمو إيجابية كما أن الانفتاح على الأسواق الخارجية ساعد على جلب الاستثمارات الأجنبية وعلى بناء أسس بلوغ معدلات نمو مرتفعة، فعلى عكس بعض الدول المنتجة للنفط التي تعتمد في إنتاجها الداخلي الخام بمعدلات تتراوح بين 40% و 60% وفي صادراتها بمعدلات قدتزيد عن 90%، فإن المغرب من بين الدول العربية القليلة التي تستفيد من التراجع الملحوظ في الأسعار الدولية للبترول، وهو مؤهل بالتالي لتسخير منتوجه الوطني في سد حاجياته بدل الاكتفاء باعتماده كمادة أولية موجهة للتصدير.
2 – عند استحضار ما يروج من مناقشات حول صندوق الموازنة وما يرافق ذلك من أنباء متضاربة حول توجه الحكومة أو عدمه نحو الزيادة في أسعار البوطاغاز إلى ما قد يصل إلى 3 أضعافه، فإن المواطنين الذين كانوا، قبل الإعلان عن اكتشاف الغاز يطالبون بضرورة الإبقاء على أسعار الغاز المنزلي في مستوياتها الحالية، سيكونون اليوم أكثر تشبثا بهذا المطلب بغض النظر عن الفوارق التي قد تسجل بين كلفة الإنتاج وبين سعر الاستيراد، وبغض النظر عن توجيهات وتوصيات صندوق النقد الدولي
3 – إن الظرفية التي أعلِن فيها عن الشروع في إنتاج الغاز جد مشجعة، ذلك أن المغرب الذي انطلق انطلاقة جيدة في مجال إنتاج الطاقة النظيفة وانخرط في عدة خيارات بيئية دولية سيجد في إنتاجه الوطني من الغاز محفزا جديدا على تزويد قطاعاته الإنتاجية والخدماتية بحاجياتها من الطاقة بالكلفة التي تؤهلها للصمود أمام المنافسة الدولية الشرسة، وبعد أن ساعد المناخ على تحسن الإنتاج الفلاحي سنة بعد أخرى، فإن تخوفات الهيئات الدولية المختصة من انتشار المجاعة في العالم بالرغم من وفرة المواد الأولية وانخفاض كلفتها، تفرض على النخبة السياسية المغربية العمل على استغلال المؤهلات الطبيعية في معالجة الأوضاع الاجتماعية وفق معايير تستحضر دور التنمية المستدامة والتقاسم العادل للثروة في تحقيق الأمن والاستقرار، فالحكامة الجيدة لا تقاس بنتائج السنوات التي تكون فيها كل العوامل الطبيعية والخارجية مساعدة وإنما بالقدرة على مواجهة المخاطر والتحديات في سنوات الجفاف وخضوع أسعار مختلف المواد الأولية إلى ارتفاعات تزيد بكثير في قيمة فاتورة الاستيراد.
إن المغرب الذي حافظ مند منتصف التسعينيات على توازناته الماكرواقتصادية وعلى استقراره السياسي لا يحق له أن ينزلق نحو خيارات الاعتماد على اقتصاد الريع لمجرد أنه اكتشف كميات محدودة من الغاز الطبيعي، ذلك أن الدول البترولية نفسها انتبهت إلى مخاطر هذا التوجه وصارت تبحث عن تنويع مصادر ثروتها وعن تأهيل أجيالها القادمة لمواجهة التحديات، بما فيها تلك التي قد تنتج عن تدني أسعار البترول لتستقر في مستويات تقل عن 50 دولار للبرميل، وإلى أن يتم الإعلان رسميا عن الكميات التجارية المستخرجة وعن كلفتها ومجالات استعمالها ، وربما عن اكتشافات جديدة، فإن أمال المغرب ستبقى معقودة على مدى قدرة الطبقة السياسية المغربية علىوضع مخططات اقتصادية واجتماعية منصفة ومسايرة لمتطلبات العصر، فالعبرة ليست في ملء خزينة الدولة وحسابات خاصة محدودة بالعملة الصعبة، على غرار ما هو مسجل في بعض الدول، وإنما في التعامل مع الاكتشافات الجديدة من منظور استراتيجي متكامل، منظور يساهم في الرفع من وثيرة النمو ويؤمن للأجيال القادمة إمكانية مواجهة مختلف التحديات.
بقلم عبد القادر الحيمر

Assdae.com

Assdae.com - 2018